عبد الرحمن الأنصاري الدباغ

101

مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )

وأفضل دلالة من جميع ما تقدّم ، لاجتماع الكمالات الموجودة في النبات والحيوانات كلها فيه ، بل فيه من الكمالات ما لا يوجد فيها أبدا ، ولولا أن الإنسان جامع لما في النبات والحيوان من القوى النباتية والحيوانية وله بذلك معه شركة لم تستحسن محاسنه ، فإن الاستحسان لا يكون إلا بمناسبة مّا ، فالإنسان بكونه يغتذي وينمى ويلد قد شابه النبات ، ويكونه يحسّ ويتحرّك بالإرادة ويشتهي ويغضب أشبه الحيوان ، وبكونه له نفس ناطقة عالمة بربّها منتقشة بالمعارف العقلية والعلوم اللدنية حريصة على اكتساب الفضائل محبّة في الكمالات أشبه الملائكة ، فليس في العالم أكمل من الإنسان لأنّه جملة واحدة قد جمع فيها جميع ما في العالم الأكبر ، ولهذا أشرق عليه من النور الإلهي أكمل مما أشرق على غيره ، وهي اللطيفة الربّانية القدسية التي نسبها الحق تعالى إلى نفسه فقال : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : الآية 29 ] . ولم ينسب البشر إلا إلى الطين تشريفا لهذه الروح وتعظيما ، ثم أودع فيها من الجمال الفائق ، والنور الرائق ، والحسن الكامل ، والصنع الشامل ، ما تنسلب له العقول ، وتنجذب حبّات القلوب ، فأيّ الاستدلال في هذا الوجود أتمّ من الاستدلال بها ، إذ هي نسخة الوجود الكلي ، وزمرة العالم العلوي ؟ ومتى يوجد في الدلالة على بارئها مثلها ، وأيّ صنعة أتقن من صنعتها ، أو جمال أتمّ من جمالها ، أو كمال أبدع من كمالها ؟ وهل تكمل النفوس المشتاقة في الكمال بشيء سواها إذا أدركت كمالها ، أو تصوّرت جمالها ؟ وهل تتخلّص النفوس الأمّارة عن عشق بدنها وحبّ سجنها المانع لها من اقتناص المعارف ، والاستعداد لقبول العوارف ، بشيء أعظم من عشقها ؟ ونزيدك على هذا بيانا فنقول : لو أنّ عالما من العلماء ذكر لنا عنه علم ، فأردنا أن نستدلّ على مبلغ علمه وقدرته بما بلغ عنه ، فألفينا له ثلاثة مصنفات : الأول منها يشتمل على عجائب مدينة واحدة ، والثاني يشتمل على عجائب إقليم من الأقاليم ، والثالث يشتمل على عجائب العالم بأسره ، فإنّا لا نشكّ أن دلالة التصنيف الثالث المحيط بعجائب العالم وما فيه من الإحكام والاتقان أعظم وأدلّ على علم المصنّف من دلالة الثاني ، والثاني أعظم دلالة من الأول ، فالمصنّف الأول هو عالم الأجسام الجمادية ، والثاني عالم الحيوان غير الناطق ، والثالث عالم الإنسان ، فدلالته على